ملا محمد مهدي النراقي
257
جامع الأفكار وناقد الأنظار
ثم اعلم ! أنّ النافين للايجاب مطلقا - أي : الّذين لا يشترطون في صدور الفعل عن الفاعل الوجوب واللزوم - فرقتان : فرقة قالوا انّ صدور الفعل عن القادر لا يتوقّف على انضمام الداعي والمرجّح إليه أصلا ، بل القادر هو الّذي يرجّح أحد مقدوريه على الآخر بدون مرجّح ؛ فهم لا يشترطون في الصدور الأولوية أيضا . وهؤلاء هم الأشاعرة المجوّزون للترجيح بلا مرجّح أصلا - أي : بلا مرجّح يصير به الفعل واجبا ولا مرجّح يصير به أولى - ؛ وفرقة أخرى اشترطوا في الصدور الأولوية وقالوا : انّ صدور الفعل عن القادر موقوف على داع يصير الفعل بسببه أولى بالوقوع ، إلّا إنّه لا ينتهي إلى حدّ الوجوب ، حتّى يبقى الفرق بين الموجب والقادر . وإذ علمت ذلك فنقول : الحقّ انّ الاستدلال المذكور يتمشّى من جانب الفريقين ؛ والمناط في تماميته انّما هو القول بنفي الوجوب واللزوم . ولا يشترط فيه نفي الأولوية أيضا والقول بصحّة الترجيح بلا مرجّح أصلا ، لأنّ للفرقة الثانية أيضا أن يقولوا : لو كان صدور الفعل عن القادر يحتاج إلى داع يوجبه لزم قدم العالم أو التسلسل . وأمّا إذا لم يكن الداعي موجبا بل منشئا لمجرّد الأولوية فلا يلزم شيء من ذلك ، إذ يمكن أن يكون ذلك الداعي في الأزل ولم يوجد الفعل فيه بل يوجد فيما لا يزال ، لأنّه لا يمتنع تخلّف الفعل عن السبب الغير الموجب . فما قيل : انّ مجرّد القول بنفي الايجاب مطلقا - أي : من دون القول بصحّة الترجيح بلا مرجّح مطلقا ، كما ذهب إليه الفرقة الثانية القائلون بالأولوية - لا يكفى في صحّة الاستدلال المذكور ؛ ضعيف . وما ذكر الامام في الأربعين في الزام تلك الفرقة بأنّه على تقدير تلك الأولوية ان أمكن الفعل والترك معا فلا يكفي في صدور الفعل بل لا بدّ من سبب آخر ، وإن لم يمكن طرف الترك يكون طرف الأولى واجب « 1 » ؛ لا دخل له فيما نحن فيه ! ، لأنّ الفرض تمامية الاستدلال على فرض تسليم مذهبهم ، وما ذكره الامام انّما هو لابطال أصل مذهبهم ؛ وهو كلام آخر . كما انّ بطلان أصل مذهب الفرقة الأولى أيضا -
--> ( 1 ) - راجع : الأربعين ، ج 1 ، ص 174 .